معرفتي بالطاهر هميلة (رحمه الله) كانت من الأحداث الجميلة القليلة التي عشتها بعد (الثورة) في تونس. فقد كشف لي منذ لقائي الأول معه روح الشاعر التي كان يخفيها وراء قناع المناضل السياسي. وقد كنت مستمتعا بصحبته في أحد مقاهي سوسة، صباح يوم مشمس من أيام جانفي 2012 حين أخبرته برغبتي في مقابلة محمد عبّو، فاتصل به على الفور وأعلمه بذلك، ثم قال لي وهو يعيد الهاتف إلى جيب سترته بعناية: قال لك سي محمد، تستطيع مقابلتي في أي وقت تشاء، بلا موعد.

محمد عبو

محمد عبو

وعزّز لقائي بمحمد عبو وزيرا في مقرّ الحكومة بالقصبة احترامي له إنسانا وسياسيا وكاتبا، فثمة عوامل موضوعية (لا ينكرها إلا جاحد) تفرض علينا دائما احترام هؤلاء الذين عارضوا بن علي وهو في أوج قوته وعنفوان سلطته، مطالبين بالديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان، نحترمهم رغم الاختلاف لأنهم دافعوا من مواقع مختلفة عن الحرية والكرامة نيابة عنا جميعا عندما كان ثمن النضال باهظا جدا..
وخلافا للكثيرين الذين لا يفوتون اليوم أي فرصة للتنمّر على محمد عبو والسخرية من كل ما يفعله حتى وإن كان لصالحهم، فإنني أعتبر عودته إلى المشهد السياسي مساندا لزهير المغزاوي (ضربة معلم) من الطراز الذي لا يمكن فهمه إلا بعد التخلص من بعض العقد النفسية والسياسية التي تكبل المرء وتجعله لا يرى الأشياء كما ينبغي أن تُرى…
في تجربة محمد عبو السياسية نقاط مضيئة جدا ينكرها البعض على وضوحها. فقد استقال من حكومة الترويكا، ولم يتشبث برئاسة الحزب الذي أسسه كما يفعل الآباء المؤسسون عادة، ثم غادر الحياة السياسية كلها عندما فشلت تجربته الثانية في الحكم، الأمر الذي لم يفعله غيره ممن تجاوزت تجربتهم نصف قرن أو يزيد! كما إنه قام بعملية نقد ذاتي شاملة في كتاب كشف فيه حقائق عديدة في وقت يتحاشى فيه أغلب السّاسة القيام بمراجعات نقدية ويتحاشى فيه الجمهور القراءة!
إن (الشعب الصالح) يفسر كرهه السياسة وأهلها بالصراعات التي تسود بينهم، ولذلك ترى مناصري الرئيس لا يجدون حجة أخرى يتذرعون بها غير صور العنف تحت قبة البرلمان السابق، وكأن ذلك يكفي لمقايضة الحرية بالاستبداد. هذا الشعب الصالح نفسه يسخر اليوم من لقاء عبو والمغزاوي تحت مظلة هدف واحد: إعادة البلاد إلى رشدها. ويتظاهر الكثيرون بالدهشة والحال أن التيار الديمقراطي وحركة الشعب تصديا بقوة لحركة النهضة ورغبتها في ضم قلب تونس وائتلاف الكرامة إلى حكومة إلياس الفخفاخ أثناء تشكيلها، وكان وجودهما معا في هذه الحكومة من أهم الأسباب التي دفعت بالنهضة إلى إسقاطها رغم أنها كانت ممثلة فيها بستة وزراء في أكبر عملية تدمير ذاتي تشهدها البلاد منذ تأسيسها، لكن ذاكرة مناضلي الربع ساعة الأخير قصيرة دائما وشعبنا نسّاي (على حد قول الأبنودي)
وخلاصة القول وسواء أكان الأمر عفويا أو بتأثير من الذباب الالكتروني بمختلف أطيافه وألوانه فإن هؤلاء الساسة مكروهون سواء أاختصموا أو اجتمعوا! وهذا الكره بكل تجلياته الشعبوية الصاخبة ليس إلا تمويها عن حقيقة لم يعد ممكنا إخفاؤها، وهي أننا ولأسباب بعيدة المدى نعشق الاستبداد ونفضله على الديمقراطية.